ابن ميثم البحراني

7

شرح نهج البلاغة

بفوز قدحه فإن أخذه عيّر به وإلَّا فهو للجازر ، ثمّ يؤتى برجل معروف أنّه لم يأكل لحما قطَّ بثمن إلَّا أن يصيبه عند غيره ويسمّى الحرضة . فيجعل على يديه ثوب ، وتعصّب رؤس أصابعه بعصابة كيلا يجد مسّ الفروض ، ثمّ يدفع إليه القداح ، ويقوم خلفه رجل يقال له الرقيب . فيدفع إليه قدحا قدحا منها من غير أن ينظر إليها . فمن خرج قدحه أخذ من أجزاء الجزور بعدد الفروض الَّتي في قدحه ، ومن لم يخرج قدحه حتّى استوفيت أجزاء الجزور غرم بعدد فروض قدحه كأجزاء تلك الجزور من جزور أخرى لصاحب الجزور الَّذي نحرها . فإن اتّفق أن خرج المعلَّى أوّلا فأخذ صاحبه سبعة أجزاء من الجزور ، ثمّ خرج المسيل فلم يجد صاحبه إلَّا ثلاثة أجزاء أخذها ، وغرم له من لم يفز قدحه ثلاثة أجزاء من جزور أخرى . وأمّا القداح الأربعة الأوغاد فليس في خروج أحدها غنم ، ولا في عدم خروجه غرم . والمنقول عن الأيسار أنّهم كانوا يحرّمون ذلك اللحم على أنفسهم ، ويعدّونه للضيافة . إذا عرفت ذلك . فاعلم أنّ وجه الشبه هو ما ذكره عليه السّلام وذلك أنّ الفائز الياسر الَّذي ينتظر قبل فوزه أوّل فوزة من قداحه أوجب له فوزه المغنم ونفى عنه المغرم فكذلك المسلم البريء من الخيانة الضابط لنفسه عن ارتكاب مناهي اللَّه لمّا كان لا بدّ له في انتظاره لرحمة اللَّه وصبره عن معصيته أن يفوز بإحدى الحسنيين : وهى إمّا أن يدعوه اللَّه إليه بالقبض عن الشقاء في هذه الدار . فما عند اللَّه ممّا أعدّه لأوليائه الأبرار خير له . فيفوز إذن بالنعيم المقيم . ولمّا كان فوزه مستلزما لعدم خسرانه ظهر حسن تشبيهه بالياسر الفالج في فوزه المستلزم لعدم غرمه . ويحتمل أن يريد بداعي اللَّه لا الموت ، بل الجواذب الإلهيّة ، والخواطر الربّانيّة الَّتي تسنح له فتجذبه إلى طرف الزهد الحقيقيّ والالتفات عن خسائس هذه الدار إلى ما وعد به المتقوّن ، وإمّا أن يفتح اللَّه عليه أبواب رزقه فيصبح وقد جمع اللَّه له بين المال والبنين مع حفظ الحسب والدين . فيفوز الفوز العظيم ويأمن العقاب الأليم . فالتشبيه أيضا هاهنا واقع موقعه ، وكلا الوصفين أفضل عند العاقل من الفتنة بالغير ، والالتفات عن اللَّه تعالى ، وتدنيس لوح النفس برذائل الأخلاق من الحسد ونحوه . وكما أنّ الفصل مستلزم للنهي عن الحسد ونحوه من الفتن المضلَّة كذلك